القاضي عبد الجبار الهمذاني

493

شرح الأصول الخمسة

المعنى الذي قلناه وأنه لا يجوز استعمالها في ما وضعت له في الأصل ، وإنما قلنا : إن قولنا مؤمن صار بالشرع اسما لمن يستحق المدح والتعظيم والثواب من جهة اللّه تعالى ، وإذا كان كذلك ، فلا مانع يمنع من أن تكون هذه اللفظة التي ذكرها في هذه الآيات مبقاة على أصل الوضع ، فلا يقدح في كلامنا ، وعلى أنه ليس ببعيد أن يكون الغرض بذكر ذلك وعطف ما عطف عليه ، وإن كان معناه أو طريقه التفخيم ، وصار ذلك كعطفه تعالى جبريل وميكائيل على سائر الملائكة ، حيث قال : وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ وكعطفه الصلاة الوسطى على الصلوات ، في قوله : حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى [ البقرة : 238 ] وكقوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ [ الأحزاب : 7 ] فهذه جملة الكلام في هذا الفصل . فصل في عذاب القبر : وجملة ذلك أنه لا خلاف فيه بين الأمة ، إلا شيء يحكى عن ضرار بن عمرو وكان من أصحاب المعتزلة ثم التحق بالمجبرة ، ولهذا ترى ابن الراوندي يشنع علينا ، ويقول : إن المعتزلة ينكرون عذاب القبر ولا يقرون به . والكلام فيه يقع في أربعة مواضع : أحدهما : في ثبوته . والثاني : في كيفية ثبوته . والثالث : في الوقت الذي يقع فيه . والرابع : في فائدته . ثبوت العذاب : أما ثبوته ، فالذي يدل عليه قوله تعالى : مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا فالفاء للتعقيب من غير مهلة ، وإدخال النار لا وجه له إلا التعذيب ، ويدل عليه أيضا قوله تعالى : النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا الآية ، ووجه دلالته على عذاب القبر ظاهر غير أنه يختص بآل فرعون ولا يعم جميع المكلفين . والدلالة التي تعم ، قوله تعالى : رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ولا تكون